يُعد سباق لومان ٢٤ ساعة، بالنسبة للجماهير، حدثاً يختلف عن أي سباق آخر في عالم رياضة المحركات. ففي كل عام، يتوافد أكثر من ٣٠٠ ألف مشجع إلى “حلبة لاسارث” للاستمتاع بالأجواء التي جعلت من لومان مناسبة فريدة في رزنامة رياضة المحركات العالمية. فمن موكب السائقين الشهير في وسط المدينة، إلى مشهد السيارات وهي تواصل التسابق ليلاً بسرعات تتجاوز ٣٠٠ كلم في الساعة، يتحول الحدث إلى أسبوع كامل يحتفي بثقافة سيارات السباق وإرثها العريق.

وبالنسبة لفريق قطر، الذي يشارك بالتعاون مع فريق آيرون لينكس، تمثل المشاركة في سباق لومان ٢٤ ساعة محطة بارزة على الساحة الدولية لرياضة المحركات. فالمشاركة في أحد أكبر سباقات العالم تضع الفريق إلى جانب أبرز المصنعين في رياضة المحركات، مثل فيراري وتويوتا وپورشه، وتعزز حضور قطر ضمن نخبة رياضة المحركات العالمية.
ويُعد سباق التحمل الأشهر في العالم اختباراً متكاملاً للابتكار والعمل الجماعي والسرعة والقدرة على التحمل، مستنداً إلى تاريخ طويل وتقاليد عريقة. فمنذ انطلاق نسخته الأولى عام ١٩٢٣، واصل السباق دفع حدود التطور التقني والأداء البشري، ليحجز مكانته كأحد أكثر الأحداث الرياضية مكانة على مستوى العالم.
كما يشكل لومان أحد السباقات الثلاثة التي تُكون “التاج الثلاثي” الأشهر في رياضة المحركات، إلى جانب سباق إندياناپوليس ٥٠٠ وجائزة موناكو الكبرى للفورمولا ١. وحتى اليوم، يبقى البريطاني جراهام هيل السائق الوحيد الذي نجح في الفوز بهذه السباقات الثلاثة.
وكان بطل العالم للفورمولا ١ مرتين فرناندو ألونسو الأقرب لمعادلة هذا الإنجاز التاريخي، بعدما حقق الفوز في لومان عامي ٢٠١٨ و٢٠١٩، وفاز بجائزة موناكو الكبرى عام ٢٠٠٦، كما اقترب من تحقيق الفوز في سباق إندياناپوليس ٥٠٠ عام ٢٠١٧. وبصفته لا يزال منافساً نشطاً، فإنه ما يزال يملك فرصة تحقيق هذا الإنجاز التاريخي. وعلى مستوى الفرق، يبقى فريق مكلارين الوحيد الذي حقق الانتصار في السباقات الثلاثة.
ولم يقتصر الحضور في لومان على نجوم رياضة المحركات، بل امتد ليشمل شخصيات بارزة من مجالات مختلفة. فقد شارك الممثل الأمريكي پول نيومان في نسخة عام ١٩٧٩ وحقق المركز الثاني في الترتيب العام إلى جانب الفوز بفئته. كما سجل حارس المرمى الفرنسي فابيان بارتيز ثلاث مشاركات في السباق، فيما حظي زميله السابق زين الدين زيدان بشرف إعطاء إشارة الانطلاق في عام ٢٠٢٤.
وسار زيدان على خطى العديد من الشخصيات البارزة التي تولت التلويح بالعلم الفرنسي إيذاناً بانطلاق السباق. فمنذ عودة سباق لومان بعد الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٩، يحرص نادي السيارات الغربي، الجهة المنظمة للسباق، على إسناد هذه المهمة سنوياً إلى شخصية ذات مكانة دولية. وبينما كانت المهمة تُسند في الغالب إلى السياسيين وكبار مسؤولي رياضة المحركات، أصبحت في السنوات الأخيرة من نصيب عدد من أبرز نجوم الرياضة العالمية.
وخلال العقد الماضي، تولى أسطورتا التنس روجيه فيدرر (٢٠٢٥)، ورافاييل نادال (٢٠١٨) هذه المهمة، فيما قام نجم كرة السلة ليبرون چايمس بإعطاء إشارة الانطلاق في عام ٢٠٢٣. أما في النسخة الرابعة والتسعين من سباق لومان ٢٤ ساعة عام ٢٠٢٦، فسيتولى الدراج البريطاني السير مارك كاڤنديش، صاحب الرقم القياسي في عدد الانتصارات بمراحل طواف فرنسا، مهمة التلويح بالعلم الفرنسي إيذاناً بانطلاق السباق عند الساعة الرابعة مساءً تماماً يوم السبت ١٣ يونيو.
ومن أبرز ما يميز السباق أيضاً أنه يمتد لمدة ٢٤ ساعة متواصلة، ما يفرض على السائقين والفرق تحدياً بدنياً وذهنياً كبيراً، فالسائقون مطالبون بالحفاظ على تركيزهم وسط الظلام، وتقلبات الطقس، والحركة المستمرة للسيارات على الحلبة، كما تعتمد سباقات التحمل بشكل كبير على العمل الجماعي والاستراتيچية والثقة المتبادلة، حيث يعمل المهندسون والميكانيكيون على مدار الساعة بدقة وانضباط لضمان استمرار السيارة في المنافسة.
وهذه التحديات هي ما تجعل السباق يحظى بشعبية كبيرة بين الجماهير التي تتوافد سنوياً إلى الريف الفرنسي خلال فصل الصيف، فالأمسيات الطويلة والأجواء المعتدلة توفر بيئة مثالية للاستمتاع بأجواء المخيمات ومشاهدة أضواء السيارات وهي تشق طريقها على خط مولسان الشهير بعد غروب الشمس، كما تضم المنطقة المحيطة بالحلبة مدينة الملاهي الشهيرة وعجلة دوارة توفر إطلالات بانورامية مميزة على مسار السباق.
ومن السمات التي حافظت على خصوصية سباق لومان عبر العقود طبيعة الحلبة نفسها. فجزء كبير من مسار “حلبة لاسارث” البالغ طوله ١٣.٦ كلم لا يزال يستخدم طرقاً عامة في منطقة “بايي دو لا لوار الفرنسية”، ما يحافظ على روح سباقات السيارات في بداياتها الأولى قبل أكثر من قرن من الزمن. ويضم المسار عدداً من أشهر المنعطفات في عالم رياضة المحركات، من بينها تيرتر روج، وإندياناپوليس، وأرناج، ومنعطفات پورشه الشهيرة.
وتنجذب الجماهير أيضاً إلى حجم المنافسة وتنوع المشاركين. ففي نسخة هذا العام، تتنافس ٦٢ سيارة ضمن ثلاث فئات مختلفة على الحلبة في الوقت نفسه. ولطالما اشتهر سباق لومان بتنوع المتسابقين، حيث يتنافس أبطال مخضرمون إلى جانب مواهب شابة واعدة، بينما يتشارك السائقون المحترفون السيارات مع متسابقين هواة طموحين. كما تضفي فئات السائقين المختلفة، من البلاتيني والذهبي إلى الفضي والبرونزي، طابعاً مميزاً على المنافسة، حيث لا تقل أهمية التعاون والعمل الجماعي عن السرعة على الحلبة.
وبالنسبة لكل فريق ينجح في الوصول إلى خط النهاية، فإن مجرد إنهاء سباق لومان يُعد إنجازاً يستحق التقدير والاحترام. ورغم أن الفوز يبقى الهدف الأسمى، فإن السباق يُحتفى به أيضاً لما يجسده من قيم التحمل والإصرار والعمل الجماعي.

وبالنسبة لفريق قطر الذي يشارك بالتعاون مع فريق آيرون لينكس، تمثل المشاركة في سباق لومان ٢٤ ساعة محطة مهمة في مسيرة رياضة المحركات القطرية، وخطوة تعزز حضورها كقوة واعدة في سباقات التحمل، ومصدر إلهام للأجيال القادمة من المتسابقين.




